محمد بن جرير الطبري

122

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عظيمة ففركها فأكلها . فنزلت النار فأكلت قربان هابيل ، وتركت قربان قابيل ، فغضب وقال : لأقتلنك حتى لا تنكح أختي فقال هابيل إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ذكر لنا أنهما هابيل وقابيل . فأما هابيل فكان صاحب ماشية ، فعمد إلى خير ماشيته ، فتقرب بها ، فنزلت عليه نار فأكلته . وكان القربان إذا تقبل منهم نزلت عليه نار فأكلته ، وإذا رد عليهم أكلته الطير والسباع . وأما قابيل فكان صاحب زرع ، فعمد إلى أردإ زرعه ، فتقرب به ، فلم تنزل عليه النار ، فحسد أخاه عند ذلك فقال : لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ قال : هما قابيل وهابيل . قال : كان أحدهما صاحب زرع والآخر صاحب ماشية ، فجاء أحدهما بخير ماله وجاء الآخر بشر ماله ، فجاءت النار ، فأكلت قربان أحدهما وهو هابيل ، وتركت قربان الآخر ، فحسده فقال : لأقتلنك حدثنا سفيان ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : إِذْ قَرَّبا قُرْباناً قال : قرب هذا زرعا وذا عناقا ، فتركت النار الزرع وأكلت العناق . وقال آخرون : اللذان قربا قربانا وقص الله عز ذكره قصصهما في هذه الآية ، رجلان من بني إسرائيل لا من ولد آدم لصلبه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا سهل بن يوسف ، عن عمرو ، عن الحسن ، قال : كان الرجلان اللذان في القرآن ، اللذان قال الله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ من بني إسرائيل ، ولم يكونا ابني آدم لصلبه ، وإنما كان القربان في بني إسرائيل ، وكان آدم أول من مات . وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب ، أن اللذين قربا القربان كان ابني آدم لصلبه ، لا من ذريته من بني إسرائيل . وذلك أن الله عز وجل يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة ، والمخاطبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريب القربان لله لم يكن إلا في ولد آدم دون الملائكة والشياطين وسائر الخلق غيرهم . فإذا كان معلوما ذلك عندهم ، فمعقول أنه لو لم يكن معنيا بابني آدم اللذين ذكرهما الله في كتابه ابناه لصلبه ، لم يفدهم بذكره جل جلاله إياهما فائدة لم تكن عندهم . وإذا كان غير جائز أن يخاطبهم خطابا لا يفيدهم به معنى ، فمعلوم أنه عنى ابني آدم لصلبه ، لا ابني بنيه الذين بعد منه نسبهم مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل على أنهما كانا ابني آدم لصلبه وفي عهد آدم وزمانه ، وكفى بذلك شاهدا . وقد ذكرنا كثيرا ممن نص عنه القول بذلك ، وسنذكر كثيرا ممن لم يذكر إن شاء الله . حدثنا مجاهد بن موسى ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : ثنا حسام بن مصك ، عن عمار الدهني ، عن سالم بن أبي الجعد ، قال : لما قتل ابن آدم أخاه ، مكث آدم مائة سنة حزينا لا يضحك ، ثم أتي فقيل له : حياك الله وبياك فقال : بياك : أضحكك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن غياث بن إبراهيم ، عن أبي إسحاق الهمداني ، قال : قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه : لما قتل ابن آدم أخاه ، بكى آدم فقال : تغيرت البلاد ومن عليها * فلون الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم * وقل بشاشة الوجه المليح فأجيب آدم عليه السلام : أبا هابيل قد قتلا جميعا * وصار الحي كالميت الذبيح وجاء بشرة قد كان منها * على خوف فجاء بها يصيح وأما القول في تقريبهما ما قربا ، فإن الصواب فيه من القول أن يقال : إن الله عز ذكره أخبر عباده عنهما أنهما قد قربا ، ولم يخبر أن تقريبهما ما قربا كان عن أمر الله إياهما به ولا عن غير أمره . وجائز